الأحد، 3 أبريل، 2011

Article: حديث في الدين والسياسة #Saudi

http://rasid114.homeip.net/artc.php?id=43726

 

حديث في الدين والسياسة

ثمة تساؤلات تُطرح عن طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، هل هي علاقة تعاون ومحبة أم أنها علاقة تنازع وخصام؟ وهل من الممكن أن تكون العلاقة بين الدين والسياسة تسير في اتجاه واحد دون أي تقاطع بينهما؟ بمعنى هل من الممكن إتحاد الدين والسياسة وتحقيق مصالحهما دون الإضرار بأحدهما؟! وهل نجحت التجارب السابقة التي حاولت إقحام الدين في السياسة أو إقحام السياسة في الدين أم أنها لم تنجح؟!!

هذه الأسئلة وغيرها تراود أذهاننا ونحن نفكر في موضوع كهذا، وهي أسئلة تحتاج إلى إجابات شافية لعلها توصلنا لحل الإشكالات العالقة في هذا الموضوع الشائك، ولكننا نرى تبايناً شاسعاً في وجهات النظر التي حاولت أن تفسر العلاقة المفترضة بين الدين والسياسة، فبين من يرى بأن الدين - الدين الإسلامي - دين ودولة، ولابد له من التدخل في النواحي السياسية، وبين من يرى عكس ذلك وهو بضرورة فصل الدين عن الدولة، لأن الإسلام دين لا دولة على حد تعبيرهم، وبالطبع بأن لكل طرف مرتكزاته التي تؤيد وجهة نظره التي يستند إليها.

تاريخ العلاقة بين الدين والسياسية:

لو رجعنا للتاريخ ودققنا النظر في صفحاته لوجدنا بأن العلاقة بين الدين والسياسة كثيراً ما تكون علاقة غريبة، فهي ما بين الصداقة والعداوة، وهذا الأمر ليس مقتصراً على ما مضى؛ بل إننا نشهد ذلك أيضاً في هذه الأيام، «كيف؟» فهناك من الحاكمين من حاول عقد مصالحة بينه وبين الدين من خلال الإتحاد مع بعض رجال الدين بهدف توظيف الدين لخدمة الأغراض السياسية، حيث يتعاون مع جال دين يجيدون هذا الفن، فن تبرير أعمال الحاكمين وشرعنة تصرفاتهم.

في مقابل هؤلاء، هناك من حاول توظيف الدين ومبادئه لشرعنة الخروج على الحاكمين والانتفاضة عليهم، وذلك لتحشيد الجماهير للثورة باسم الدين ضد هذا الحاكم أو ذاك، وفي هذه الحالة يكون رجال الدين ضد الحاكمين على عكس الحالة الأولى، ولكنهم أيضاً قد يخلطون بين الدين والسياسة، فقد يكون خروجهم لغرض سياسي وليس ديني.

وهنا نقع في إشكالية كبيرة عن دور الدين - الواقعي - فأنا لا أشك بأنه يوجد في كلا الطرفين من هو صادق النية، مثل ما هنالك من هو مشكوك في نيته ونزاهته، ولكن هذا الأمر لا يكفي، فصدق النية لا يكفي لإثبات صحة التصرفات، كما أن النية الحقيقة لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى، ونحن نريد معياراً صحيحاً نستطيع أن نعتمد عليه لقياس صحة الأعمال، لا أن نكتفي بالاتكال على النية فقط، لأن صدق النية يدعيه الكل «النزيه وغير النزيه».

إذاً من الممكن توظيف الدين للخروج على الحاكمين، كما يمكن توظيف الدين لخدمة الحاكمين، وفي الجانبين نجد اصطفاف بعض رجال الدين، مما يجعلنا في حيرة من أمرنا، هل الدين الصحيح هو الدين الأول «مع الحاكمين» أم الدين الثاني «ضد الحاكمين»؟ وكيف يمكننا الخروج من هذه الإشكالية؟! هل الحل يا ترى هو في فصل الدين عن الدولة وذلك حتى لا يستغل الدين سياسياً أم أن الحل يكون في أمر آخر؟

إشكالية العلاقة بين الدين والدولة:

إن الإشكالية التي تواجهنا ونحن نبحث في موضوع العلاقة بين الدين والسياسة، هي إشكالية النظرة التي ينظر بها كل منهما للأمور والأحداث، فالدين ينظر ويركز على مسألة الحق والباطل، أما السياسة فتركيزها عن المصلحة والمنفعة، وهنا يأتي هذا السؤال: هل من الممكن أن يتحد ويتصالح الحق «الدين» مع المصلحة «السياسة» أم لا؟!

من الناحية النظرية البحتة قد لا تواجهنا أية مشكلة، فبالإمكان الإجابة بنعم وبكل ثقة، فنحن نصور ونتظاهر بتصرفاتنا وأقوالنا بأننا نستطيع أن نعقد مصالحة بين المصلحة والحق، ولكن هل هذا يكون دائماً؟! فصحيح أن الدين يشجعنا على الحصول على النافع والمصالح شريطة أن تكون بطريق مشروع «بالحق»، بيد أننا في الناحية العملية قد نجد المصالحة بينهما أمراً معقداً للغاية، فكثيراً ما يتصارع الحق مع المصلحة ونكون مخيرين: إما الحق وإما المصلحة، وهنا يكون الاختيار في غاية الصعوبة، وكثيراً ما تقدم المصلحة على الحق، وإن كان الإدعاء بأنهما متفقان.

بالإضافة إلى هذه الإشكالية، تواجهنا إشكالية أخرى في قضية الدين والسياسة، ففي حين يركز الدين على الواجبات والتكاليف «واجبات الإنسان تجاه خالقه، تجاه نفسه، تجاه الآخرين،...»، نجد السياسة تركز على الحقوق، ففي حين يركز الإنسان المتدين على ما هي واجباته؟ نجد الإنسان السياسي يركز على ما هي حقوقه؟

ومن المعروف بأنه عادةً من يركز على واجباته ينسى حقوقه ويخسرها أو يخسر جزءاً منها، لأنه ليس كل الناس تفكر بهذه الطريقة «بواجباتهم تجاه الآخرين»، كما أن من يركز على حقوقه فقط عادةً لا يؤدي واجباته أيضاً، لأنه ليس كل الناس تستطيع أن تأخذ حقوقها من الآخرين لنضمن بأن الكل قد أخذ حقوقه.

الإنسان بين الحق والمصلحة والواجبات والحقوق:

إن الإنسان بوجه عام - إلا ما رحم ربي - يحب مصلحته ويسعى لها، وإن كانت معارضة للحق، ويريد حقوقه ويحرص عليها لأنها من صالحه أيضاً وإن كان لا يعطى الناس حقوقهم، ولهذا هو وفي أحيان ليست بالقليلة ينسى أو يتناسى واجباته وإن كانت من الحق، لأنه يعتقد بأنها ليست من مصلحته، فالأصل إذن هو حرصه على مصلحة سواءً وافقت الحق أم لا.

وقد يظن البعض أن الإنسان يريد الحق ويوظف قواه العقلية في هذا السبيل، غير أنه وبالتجربة نجد أن الإنسان كثيراً ما يوظف عقله للحصول على مصلحته الشخصية وليس للوصول إلى الحقيقة، وفي ذلك نجد عالم الإجتماع العراقي الدكتور علي الوردي يصف العقل البشري بقوله: «إن العقل كما قال وليم جيمس خلقه الله في الإنسان لكي يساعده على تنازع البقاء، كمثل ما خلق الناب في الأسد والخرطوم في الفيل والسم في الأفعى، وقد أخطأ الفلاسفة القدامى في رأيهم بأن وظيفة العقل هي للبحث عن الحقيقة المطلقة أو التمييز بين الحق والباطل. إن الذي يريد أن يعامل الناس في ضوء هذا الرأي القديم لا بد أن يكون مصيره الفشل في الحياة»[1] .

هذا إذا كان الإنسان يدرك الحق ويعرفه، فما بالك لو كان لا يدرك الحقيقة ولا يعرفها، فهناك الكثير من العوائق التي تعيق العقل البشري عن الوصول للحقيقة وإن كان ينشدها، إذ يقول الدكتور الوردي: «إن العقل البشري بوجه عام لا يستطيع أن ينظر في الأمور نظرة حيادية مطلقة، لأن هناك عوامل لا شعورية عديدة تؤثر في تفكيره من حيث لا يدري، كالمعتقدات التي نشأ عليها والعاطفة والمصلحة والأنوية وحدود المعرفة والتجارب المنسية والعقد النفسية وغيرها. فالإنسان حين يفكر يتصور أنه حر طليق في تفكيره لأنه لا يعرف العوامل اللاشعورية المؤثرة في عقله. فنحن حين نتهم المخالف لنا بالتعصب أو العناد أو الجهل لا ندري أنه هو نفسه يتهمنا بمثل ما اتهمناه به. وهذا هو ما أشار إليه القرآن الكريم إذ قال: ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾»[2] .

ومجمل ما قاله الدكتور الوردي في ما نقلناه تؤيده الآية القرآنية القائلة: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾[3]  فأكثر الناس يفضلون مصالحهم وأهواءهم ورغباتهم على الحق وإن كانوا يدعون غير ذلك. «لماذا» لأن الحق كما وصفه أمير المؤمنين بقوله: «إنما الحق مريء وإن الباطل خفيف وبيء».

ومن هنا نفهم كلمة أمير المؤمنين عندما قال للناس: «أردتكم لديني واردتموني لدنياكم»، فهو أرادهم للحق وهم أرادوه لمصالحهم، وشتان ما بين الأمرين.

دور الدين هل هو التذكير والموعظة أم السيطرة والحكم؟

هناك آيات قرآنية تخاطب الرسول الأكرم ، وتبين بأنه ليس له أن يتحكم ويجبر الناس، لأن واجبه هو البلاغ والتبيين فقط وليس السيطرة والحكم بالإجبار، منها قوله تعالى مخاطباً نبيه : ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾[4] ، وقوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾[5] ، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾[6] ، وقوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾[7] .

فالإنسان مخير في حياته وغير مجبر على الاختيار، ولا يصح إجباره أصلاً، ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾[8] ، ولكن هذا لا يعني عدم النصح والإرشاد والتذكير، فلعل هذا التذكير ينفع، وإنه بالتأكيد لن ينفع الجميع، ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[9] . فإذا كان الأمر كذلك للرسول الأكرم، فمن باب أولى أن يكون هذا الدور هو المطلوب من الإنسان الرسالي، فهل يعني هذا بأن على الإنسان الرسالي عدم التعرض للحكم لأن الحكم يتنافى مع التخيير ويدخل من ضمن نطاق الإجبار؟!

لعله لهذه الحجة يحرص الكثير من المتدينين والكثير من دعاة فصل الدين عن الدولة على عدم دخول الدين في السياسة، ولكن هناك جماعة أخرى تقول بأن الرسول كان حاكماً وهو رسول، فكيف نجمع بين حياته كرسول وكحاكم والآيات القرآنية التي استعرضناها؟ أليس الرسول قد استخدم القوة في حكمه؟! فكيف نفهم حكم الرسول على ضوء هذه الآيات المباركة؟!

واقع عملي: هل الحركات الإسلامية دينية أم سياسية؟!

لا شك بأن الرسول الأكرم قد دخل في الشؤون السياسية، بل لقد أصبح رمزاً سياسياً بحكمه للمدينة المنورة بالإضافة لكونه رمزاً دينياً، ولكن نجاح هذه التجربة - أي دخول الدين في السياسة - مع الرسول صلى لله عليه وآله لا نضمن نجاحها ونزاهتها مع غير المعصوم، فالرسول مهما تصرف في السياسة فإننا على يقين بأن تصرفه من وحي السماء لأنه معصوم، أما غير المعصوم فمهما علت منزلته فإننا لا نستطيع أن نطمئن لتصرفاته ولحكمه لعدم عصمته. وهذه إشكالية نقع فيها فحتى لو كان الرسول دخل فعلياً في السياسة فهناك فرق بينه وبين غيره، وإن كان هذا الغير مخلص النية وعالم وملتزم دينياً.

وهنا نأتي ونلقي نظرة على الحركات الإسلامية التي دخلت في السياسة هل نجحت أم لا؟ ولا أقصد بالنجاح هنا النجاح السياسي وإنما أقصد بالنجاح هنا النجاح في الإدارة السياسية والإلتزام الديني معاً؟ وبعبارة أخرى نقول: هل نجحت الحركات الإسلامية التي دخلت في السياسة أن تلتزم بالدين الإسلامي التزاماً كلياً «بالحق» أم أنها انحرفت مسيرتها واختلطت بالسياسة «المصلحة» وغلبتها على الدين ولو بشيء بسيط؟! هل تم بدخول هذه الحركات في الدين "تديين السياسة" أو "تسييس الدين"؟!

لعل الغالب على هذه الحركات أنها قامت بتسييس الدين وفق مصالحها بدلاً من جعل السياسة متدينة، فالكثير من هذه الحركات تحولت إلى حركات سياسية بحته ولم يبقى لها من الدين إلا المظاهر فقط «طريقة اللباس والألفاظ المستخدمة»، فأخذ بعضهم مثلاً يدخل في الإنتخابات مستغلاً اسم الدين ومستفيداً من المراكز الدينية للترويج لنشاطه السياسي، وخلط بذلك الدين في السياسة و«الحق بالمصلحة». فما الحل إذن؟ هل الحل هو التخلي عن السياسة وفصل الدين عنها، والتمثل بكلام الشيخ محمد عبده: «إن السياسة ما دخلت في شيء إلا وأفسدته» أو أن نستعيذ منها كما استعاذ ونقول: «أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن معنى السياسة، ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة، ومن كل خيال ببالي من السياسة، ومن كل أرض تذكر فيها السياسة، ومن كل شخص يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل في السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس» أم الحل في ماذا؟!

رؤيتي للعلاقة المفترضة بين الدين والدولة:

في المجتمعات الإسلامية التي تحترم الدين لا يمكن أن يُفصل الدين عن الدولة، وإن ادعى ذلك مدعي، ولكن هذا لا يأتي من فرض الدين وآراء رجال الدين السياسية على الناس بالقوة والإجبار بحجة أن الدين شامل لكل نواحي الحياة أو أن الإسلام دين ودولة. لا، يأتي دور الدين في الدولة من ناحية الناس، فهم الذين يحكمون الدين في حياتهم إذا كانوا ملتزمون دينياً «ينبع الدين منهم لا يفرض عليها».

ولهذا نقول بأننا مع تدخل الدين في السياسة، ولكن لا نؤيد أن يفرض فرضاً على الناس، فالأصل كما أعتقد هو أن ننشأ مجتمع ديني إسلامي يريد الدين، وبعدها سيختار الناس الدين برغبتهم، وبالتالي سيكون الدين هو الحاكم في المجتمع والدولة برغبة من الناس، أي أن تكون إرادة الأمة هي من تحكم الدين، كما حصل مع النبي والأنصار، أما أن نحاول فرض هيمنة الدين «دين بعض رجال الدين» بالقوة والإجبار بحجة تحكيم أمر الله والانصياع لأوامره فهذا مرفوض، لأنه كثيراً ما أستخدم أصحاب الحكم دين كهذا لتطويع الناس وفق مشيئتهم وأهواءهم.

ليست هناك تعليقات: